علي بن محمد البغدادي الماوردي

234

النكت والعيون تفسير الماوردى

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 15 ] مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ( 15 ) قوله عزّ وجل : مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ يعني لما يحصل له من ثواب طاعته . وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها يعني لما يحصل عليه من عقاب معصيته . وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فيه ثلاثة أوجه : أحدها : لا يؤاخذ أحد بذنب غيره . الثاني : لا يجوز لأحد أن يعصى لمعصية غيره . الثالث : لا يأثم أحد بإثم غيره . ويحتمل رابعا : أن لا يتحمل أحد ذنب غيره ويسقط مأثمه عن فاعله . وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فيه وجهان : أحدهما : وما كنا معذبين على الشرائع الدينية حتى نبعث رسولا مبينا ، وهذا قول من زعم أن العقل تقدم الشرع « 388 » . الثاني : وما كنا معذبين على شيء من المعاصي حتى نبعث رسولا داعيا ، وهذا قول من زعم أن العقل والشرع جاءا معا « 389 » . وفي العذاب وجهان : أحدهما : عذاب الآخرة . وهو ظاهر قول قتادة . الثاني : عذاب الاستئصال في الدنيا ، وهو قول مقاتل « 390 » .

--> ( 388 ) وهو قول المعتزلة وقد ترتب على هذا القول أن العبد معاقب قبل ورود الشرع استنادا إلى أن العقل يحسن ويقبح . ( 389 ) قال ابن القيم رحمه اللّه في مفتاح دار السعادة ( 2 / 39 ) والتحقيق أن سبب العذاب قائم قبل البعثة ولكن لا يلزم من وجود سبب العذاب حصوله لأن هذا السبب قد نصب اللّه تعالى له شرطا وهو بعثه الرسل وانتفاء التعذيب قبل البعثة هو لانقضاء شرطه لا لعدم سببه ومقتضيه . وقال في ( 2 / 8 ) « وتحقيق القول في هذا الأصل العظيم أن القبح ثابت للعقل في نفسه وأن لا يعذب عليه إلا اللّه بعد إقامة الحجة بالرسالة وهذه النكتة هي التي فاتت المعتزلة والكلابية كليهما فاستطالت كل طائفة منها على الأخرى لعدم جمعهما بين هذين الأمرين » . ( 390 ) ولا مانع من حمل الآية على نفي العذاب الدنيوي والأخروي ونقله الشوكاني في فتح القدير عن طائفة -